شركة “بولودا” تشن هجوماً على مكتب الاستخبارات الوطني الإسباني وتُهدد باللجوء إلى القضاء بسبب تجميده في مدريد لعملية بيع 45% من محطاتها في جزر الكناري للمغرب.
أدى الجدل السياسي حول دخول رأس المال المغربي إلى قطاع الموانئ في جزر الكناري إلى رد قوي من قطاع الأعمال. وفقاً لما ورد في تقرير حديث نشعته صحيفة “إل إسبخو كاناريو” تحت عنوان “بولودا تؤكد التزامها تجاه جزر الكناري وتتهم مجلس الإقليم بإثارة حالة من الذعر غير المبرر بشأن المغرب”، خرج المدير العام لشركة “بولودا للشحن”، خافيير كليمنت ميليان، للرد على انتقادات جزر الكناري للدفاع عن متانة ميناء لا لوز، مذكراً بأن شركة الشحن تحتفظ بمقرها الضريبي في غران كناريا، وقد جمعت أكثر من 250 مليون يورو من الاستثمار في الأرخبيل، وأن المشاركة المغربية المستقبلية ستكون أقلية ودون قدرة اتخاذ القرار بشأن العمليات في الجزر.
تعد موانئ الجزر الشريان الوحيد الذي تتنفس من خلاله اقتصاديات الأرخبيل، غير أنها تمثل أيضاً الحدود الجنوبية لأوروبا ومنصة مراقبة في وسط المحيط الأطلسي. أدى بيع 45% من أسابيع شركة “بولودا للمحطات البحرية” (BMT) إلى شركة “مارسا مروك” (Marsa Maroc) المغربية الحكومية إلى إطلاق إنذارات في مكاتب الأمن بمدريد. وبينما لا يزال الملف مجمداً، انتقلت شركة الشحن المملوكة لفيسنتي بولودا إلى الهجوم على أجهزة الاستخبارات والمؤسسات المحلية.
ووصف مدير المجموعة في جزر الكناري، خافيير كليمنت ميليان، يوم الإثنين الماضي، المراقبة التي يفرضها المركز الوطني للاستخبارات (CNI) و وزارة الدفاع على الصفقة بأنها «تهويل خطير لا مبرر له». ولا يزال العقد متعثراً في لجنة الاستثمار الأجنبي (Jinvex)، حيث تقوم وزارات الاقتصاد والدفاع والمركز الوطني للاستخبارات والأمن القومي بتقييم تداعيات السماح لدولة أجنبية بالدخول إلى بنية تحتية حيوية.
خطر التنازل عن بيانات استراتيجية وعسكرية
عندما تبيع شركة خاصة أصولاً لأخرى، يوزع السوق الموارد بكفاءة. ويتغير المشهد عندما يكون المشتري هو الذراع التنفيذية لحكومة مثل حكومة الرباط. إن إشراك شركة “مارسا المغرب” (Marsa Maroc) في الموانئ الجزرية يتجاوز النطاق التجاري لأنه يمنح المملكة العلويّة إمكانية الوصول إلى تدفقات معلومات الموانئ في الوقت الفعلي.
إن من يدير أو يشارك في الأحواض البحرية يعرف بالتفصيل ما يدخل وما يخرج ومتى يحدث ذلك. ويسمح هذا الوضع بمراقبة كل شيء، بدءاً من احتياطيات الإمدادات الأساسية والوقود والأغذية التي تضمن بقاء الجزر، وصولاً إلى حركة سفن الدولة، والتوقفات اللوجستية، وتحركات الجيش الإسباني والحلفاء في طريق الأطلسي. وفي سياق من الاحتكاك حول المياه المجاورة والمجال الجوي، فإن التنازل عن هذه الرؤية يمثل تسليماً لميزة جيوسياسية على الحدود الأكثر حساسية لإسبانيا.
تحرك قوي لشركة الشحن ورفض في جزر الكناري
تؤكد شركة بولودا (Boluda) أن الشريك المغربي لن تتمتع بأي قدرة إدارية أو قيادة تشغيلية في الموانئ.
وفي تصريحات لإذاعة “إل إسبخو كاناريو” (El Espejo Canario)، شن كليمنت ميليان (Climent Melián) هجوماً حاداً على رئيس مجلس مقاطعة غران كناريا، أنطونيو موراليس (من حزب “نويفا كانارياس”)، متهماً إياه بإيواء “ضغينة” ضد الشركة، ومؤكداً أن المؤسسات المنتقدة “تثير السخرية”. وحذر المسؤول التنفيذي من أن الشركة ستلجأ إلى القضاء في حال استمرار العراقيل أمام تحالفاتها الدولية.
تجاهل المتحدث الرسمي أن الريبة المؤسسية لا تنبع من خندق حزبي. فمجلس جزيرة تينيريفي (الكاناري)، الذي تحكمه “ائتلاف الكاناري” و”الحزب الشعبي”، يعارض هو الآخر العملية، لاعتباره أنها تمس بموقع الأرخبيل وتترك اللوجستيات الجزرية عرضة لقرارات لا تُتخذ بغرض التحقيق المنفعة التجارية، بل خدمة لمصالح دولة مجاورة.
منافسة ميناء الداخلة
وإلى جانب البعد الأمني، تضاف المنافسة التجارية غير المتكافئة؛ إذ تبني المملكة المغربية في الصحراء الغربية ميناء “الداخلة الأطلسي” الضخم لاستقطاب التجارة المتجهة نحو غرب إفريقيا. ومن ثم، فإن السماح للمشغل الحكومي المغربي بالدخول إلى أرصفة الموانئ الكنارية يعني مشاركة قاعدة العملاء، والتعريفات، والمسارات مع نفس الفاعل السياسي الذي يشيد بنية تحتية منافسة على بعد كيلومترات قليلة فقط.
وصفَت إدارة “بولودا” هذه الحجج بأنها «فارغة ولا أساس لها من الصحة»، مؤكدةً أن ميناء الداخلة لن يدخل الخدمة حتى عام 2030 وأن تأثيره سيكون «هامشياً». ولتأكيد تجذرها في المنطقة بعد ما يقرب من 40 عاماً في الجزر، ذكّرت الشركة الملاحية بأنها ضخّت أكثر من 250 مليون يورو، شملت استثمارات مؤخرة بقيمة 35 مليون يورو في تينيريفي، و12 مليون يورو في لا بالما، و10 ملايين يورو في فُوِيرْتِيفِينْتُورا، و6 ملايين يورو في لانثاروتي. والآن، تعود الكلمة الأخيرة للحكومة المركزية، التي سيكون عليها أن تقرر في مدريد ما إذا كانت ستسمح بدخول الرباط إلى الموانئ الكنارية أم ستحمي المحيط الاستراتيجي للجزر.


