لقد اتسم المغرب بجرأة أكبر أمام مؤشرات ضعف الحكومة الإسبانية، وذلك عقب التنازل عن ملف الصحراء في عام 2022 وغياب الإجراءات لحماية السلامة الإقليمية لإسبانيا.
إن الوضع الذي تعيشه سبتة، بعد التدفق الجارف لـ 80,000 شخص أرسلهم المغرب، قد وضع رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، بين المطرقة والسندان. وعليه الآن أن يقرر ما إذا كان سيصادق على زيارة الملك إلى سبتة للتأكيد على إسبانية المدينة بعد التهديدات المغربية، أم أنه سيستسلم، مرة أخرى، لمطالب محمد السادس ويظهر الضعف مجدداً، كما فعل في يوم الاقتحام نفسه عندما أشاد بالمغرب وألقى باللائمة على المافيات.
ظهر خيار زيارة الملك لسبتة ومليلية للرأي العام بعد وقت قصير من الاقتحام الذي وقع يومي 30 و31 يوليو، وتأكدت يوم الخميس الماضي عندما التقى رئيس سبتة، خوان خيسوس بيباس، بالملك فيليبي في قصر ماريبينت ببالمات دي مايوركا.
وعند خروجه، أعلن رئيس سبتة: «ليس لدي أدنى شك في أن الملك سيزور سبتة وأنه سيدعمنا». لكن بيباس أضاف أن هذه الزيارة ستتم «مع الحفاظ على الوضع الدستوري المناسب للملك»، في إشارة إلى أن المونارك يحتاج إلى تصديق الحكومة، كما أفادت صحيفة (El Debate).
تأجيل الزيارة
حتى الآن، لم تُصادِق الحكومة على زيارة الملك إلى سبتة، وحاولت يوم الجمعة الماضي المماطلة في هذه المسألة من خلال تصريح للوزير أوسكار لوبيز قال فيه: «سيقوم جلالة الملك بزيارة سبتة في الوقت المناسب، وسيكون هناك تنسيق تام بهذا الشأن».
خلال السنوات الاثنى عشر من حكم «دون فيليبي»، لم ترَ لا حكومة ماريانو راخوي ولا حكومة بيدرو سانشيز أن هناك أي وقت مناسب للقيام بهذه الزيارة، لتكون سبتة ومليلة المنطقتين الإسبانيتين الوحيدتين اللتين لم يزرهما الملك والملكة بعد. وكان «دون خوان كارلوس» و«الدونيا صوفيا» قد تمكنا من زيارتهما مرة واحدة فقط في عام 2007، طوال 39 عاماً من حكمهما.
إن السبب وراء عدم زيارة الملكين لسبتة ومليلية يعود إلى أن زيارتهما تزعج المغرب. فالرباط لا تعترف بالسيادة الإسبانية على كلا الإقليمين، رغم أنهما إسبانيان منذ وقت طويل قبل قيام المغرب، ولا ترغب في رؤية دون فيليبي ودوينيا ليتيزيا يتجولان في شوارعهما كما لو كانا يتجولان في لوغو أو ألميريا. وكان خوف الحكومة دائماً من أن ترد الرباط على زيارة ملكية بإرسال موجات من المهاجرين، كما فعلت قبل عشرة أيام، بعد زيارة سانشيز للجزائر، وهي زيارة أخرى أزعجت المغرب.
الزيارة، الإجراء الأكثر فعالية
حتى عام 2022، كانت إسبانيا تمتلك ورقة رابحة ممتازة للتفاوض مع المغرب، وهي الصحراء، لكن سانشيز أهدرها عندما أقرّ في رسالة مكتوبة وبشكل شخصي -دون استشارة البرلمان- خطة الحكم الذاتي المغربية. وبمجرد حصول المغرب على دعم لمقترحه بخصوص الصحراء الغربية، وجّه تركيزه الآن نحو سبتة ومليلية.
تمتلك إسبانيا أدوات عدة للدفاع عن سلامة أراضيها، مثل تعزيز وجود قوات وهيئات الأمن التابعة للدولة، أو نشر الجيش، أو تحصين الحدود، أو تمديد الحاجز البحري لسبتة، أو حتى قبول نشر وكالة “فرونتكس” الذي عرضته المفوضية الأوروبية والذي من شأنه أن يسمح بنشر ما يقارب 10,000 عنصر على حدود سبتة. ولكن في الوقت الحالي، تُعدّ زيارة الملكَين الإجراء الأكثر فعالية وقوة وسرعة وأقلها تكلفة.
حتى الآن، تخلّى سانشيز عن استخدام كل هذه الإجراءات، وربما كان ذلك تحت ضغط المعلومات التي تمتلكها الدولة المجاورة بعد تثبيت برنامج التجسس “بيغاسوس” في هاتفه وهواتف العديد من الوزراء. ونتيجة لـهذا الموقف الخائف من جانب الحكومة، ازدادت المغرب جرأة.
صورة للضعف والخضوع
بالنسبة لحكومة سانشيز، لا يمكن للوضع أن يكون أكثر تعقيدًا وإحراجًا؛ فهي تخشى أنه إذا أيّدت زيارة الملك إلى سبتة، فقد يتخذ محمد السادس ردود أفعال انتقامية من أي نوع ضد إسبانيا أو ضد رئيس الحكومة نفسه. وإذا لم تؤيدها، فلن يقتصر الأمر على إظهار مدى خضوع سانشيز للعاهل العلوي فحسب، بل سينقل أيضًا صورة للضعف أمام دولة لا تحترمه. وكل هذا يأتي مع اقتراب الانتخابات العامة التي يخوضها واستطلاعات الرأي ليست في صالحه.
لقد اختارت الرباط هذا الوقت بالذات لتخطو خطوة أخرى في مطالبها لأنها ترى حكومة سانشيز ضعيفة، وتفسر وضع إسبانيا بأنه موقف ضعف (أدنى). وإلى جانب الضعف الداخلي للحكومة، التي يكاد شركاؤها لا يمنحونها الأكسجين للاستمرار، يضاف عزلتها الدولية.
إن قرارات سانشيز في السياسة الخارجية، والتي صُممت دائماً لأغراض أيديولوجية أو انتخابية، أدت إلى عزلة إسبانيا المتزايدة عن شركائها التقليديين -وحتى عن الدول الأوروبية الآن- وساهمت في تعزيز علاقة المغرب بدول قوية مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
في الوقت الذي يلعب فيه سانشيز دور زعيم المعارضة لترامب، أطلق محمد السادس اسم الرئيس الأمريكي على واحدة من أطول الطرق السريعة في إفريقيا، والتي تربط بين تيزنيت في جنوب البلاد والداخلة (فيلا سيسنيروس سابقاً)، حيث سُميت: “طريق الرئيس دونالد ج. ترامب السريع”. كل ما تزدريه إسبانيا، يمجده المغرب.
زيارة مفاجئة في مواجهة مقاطعة محتملة
في هذه الظروف، سيتحتم على سانشيز أن يقرر ما إذا كان سيرفض أم سيعتمد زيارة الملكين؛ وهو قرار لا يمكن تأجيله لفترة طويلة. ولكن، بالإضافة إلى ذلك، يتوجب على الحكومة اتخاذ التدابير اللازمة لضمان إجراء الزيارة في أفضل الظروف الممكنة، وهو ما يتطلب على الأرجح عنصر المفاجأة حتى لا ترسل المغرب موجة أخرى من المغاربة إلى المدينة بالتزامن مع حضور دون فيليبي ودوينيا ليتيزيا. ولهذا الغرض، من الضروري الاعتماد على خدمات الاستخبارات الإسبانية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المغرب يمتلك أجهزة استخبارات خاصة به بالإضافة إلى تعاون دول أخرى.


