حذّر عسكريون إسبان من أصل مغربي من “ضغوط” تمارسها عليهم الأجهزة الأمنية في الرباط. و تحدث هذه المضايقات عندما يسافرون في إجازة لرؤية عائلاتهم، ويختار بعضهم حاليا عدم السفر إلى المغرب.
تحتوي القيادات العسكرية في سبتة ومليلية في صفوفها على نسبة كبيرة من الأعضاء ذوي الأصول المغربية. وفي بعض الوحدات، تتجاوز هذه النسبة في صفوف الجنود 50%. ويحق لهؤلاء الأفراد السفر إلى المغرب لزيارة عائلاتهم أثناء إجازاتهم، غير أن هذه التنقلات تشهد منذ فترة تحركات واقترابات مقلقة.
هذا ما بلّغ عنه داخلياً في وحداتهم بعض العسكريين المعينين في سبتة ومليلية ومواقع في شبه الجزيرة الإيبيرية، والذين أقروا بتواصل عناصر من المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) -المخابرات الخارجية المغربية- معهم، وطرح أسئلة حول تفاصيل الأوضاع داخل ثكناتهم العسكرية. وقد قرر بعضهم، ولا سيما النساء، الاستغناء عن هذه الرحلات بسبب الضغوط التي تمارسها أجهزة الاستخبارات المغربية على عائلاتهم.
لم تعد المغرب تُخفي الأمر. فقد أصبحت أجهزتها الاستخباراتية، التي كانت في السنوات الماضية تقترب بحذر ودهاء من هؤلاء العسكريين عندما يسافرون إلى البلاد لأسباب عائلية، تفعل ذلك الآن بكل «وقاحة» ودون أي قيود.
وما يرويه هؤلاء العسكريون لرؤسائهم عند عودتهم إلى وحداتهم غالباً ما يكون متشابهاً: أشكال من التقرب يقدم عليها أشخاص مجهولون يعرفون هويتهم، ويطلبون منهم التعاون من خلال الإجابة على أسئلة محددة تتعلق بطبيعة عملهم؛ مثل تفاصيل عن وحداتهم، وقادتهم، أو التغييرات المقررة في ثكناتهم العسكرية.
إن النبرة، وفقًا لما علمته صحيفة “ذا أوبجيكتيف” (THE OBJECTIVE) من مصادر عسكرية مطلعة على هذه الأحداث، حادة بصفة عامة، بل ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى توجيه تهديدات لدوائرهم العائلية؛ بدايةً من إمكانية التسبب في مشاكل لهم مع الشرطة، ووصولاً حتى إلى الاحتمال الفعلي لـ “اختفاء” ماشيتهم أو غيرها من ممتلكات المقربين منهم.
وصل الوضع في بعض الحالات إلى حدٍّ جعل البعض يقررون عدم السفر إلى المغرب خلال إجازاتهم لتجنب الوقوع في مواقف حرجة. وتُشير المصادر المُستطلعة بوجه خاص إلى أن الضغط الذي تمارسه المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) يكون أشدَّ في حالة العسكريات الإناث.
يشكّل الإسبان من أصول مغربية نحو 30% من أفراد الجنود والمشاة في سبتة ومليلة، بينما تتجاوز هذه النسبة 50% في بعض الوحدات الخاصة، ولا سيما “مجموعة الدعم اللوجستي” وكتائب “المهندسين العسكريين (الزبابير)” و”الإشارات والاتصالات”. وتدرك قيادة أركان الجيش الإسباني أن هذا الوضع ينطوي، في الظرف الحالي، على مجموعة من المخاطر ونقاط الضعف، لكنها تغلب حاجة الجيش إلى توفير القوة البشرية والضباط.
قائمة عملاء المغرب
يأتي هذا الموضوع على خلفية القائمة المزعومة لعملاء ومتعاونين مع الاستخبارات المغربية، والتي جرى تسريبها من قبل مجموعة قرصنة تُدعى “جبروت”. ويعزو بعض الخبراء مصدر هذه القائمة إلى الجزائر، بينما يشير آخرون إلى عميل سابق لرابطة الرباط يعمل من ألمانيا. وبغض النظر عن مصدرها، فقد أثارت القائمة اهتمامًا كبيرًا لدى أجهزة الاستخبارات الإسبانية — المدنية والعسكرية على حد سواء — وكذلك لدى وحدات الاستعلامات التابعة للشرطة والحرس المدني.
بدأت كل هذه الهيئات، كما أفادت (TO)، تحليلًا شاملاً للمستند الذي يتضمن أكثر من 70,000 هوية تحتوي على الاسم، واللقب، ورقم التجنيد، وتاريخ الميلاد، وتاريخ التجنيد. واحتمالية وجود اسم سبق له العمل في القوات المسلحة هي إمكانية واردة، ولهذا السبب ينكب الجيش البري أيضًا على تحليل القائمة بكل تفصيل.
يُدرك مركز الاستخبارات للقوات المسلحة (CIFAS) أن المغرب قد يحاول استغلال هذا الملف الشخصي لصالح المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) أو المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN). وأوضحت مصادر أطلعت عليها صحيفة (TO) أنها لن تكون المرة الأولى التي يُرصد فيها تحركات في هذا الاتجاه.
ويجري التحقق من الأسماء، والألقاب، وتواريخ الميلاد ومطابقتها مع بيانات الأشخاص الذين خدموا بشكل أساسي في وحدات المدينتين اللتين تتمتعان بالحكم الذاتي، مثل الفيلق الثاني “دوكي دي ألبا” التابع للجيش الإسباني في سبتة، أو مجموعة “ريجولاريس” (القوات النظامية) رقم 52 في مليلية.
توضح مصادر استخباراتية أنه على الرغم من الحجم الكبير للبيانات المسربة، فإن القائمة «ليست موثوقة تماماً وجزئية للغاية». ويشير مصدر البيانات إلى أنها تعود لأصول تابعة للوكالتين المدنيتين المغربيتين، DGST (المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني) وDGSN (المديرية العامة للأمن الوطني)، ولهذا لا يبدو أنها تضم أعضاء أو متعاونين مع الاستخبارات العسكرية DGED (المديرية العامة للدراسات والمستندات)، ولا جهازها المتخصص في عمليات مكافحة الجاسوسية. كما يمتلك المغرب ما يُعرف بـ «المكتب الثالث»، وهو إدارة الأمن العسكري المغربي (DSM)، المتخصص في كشف محاولات التسلل الجزائري داخل صفوفه.


